الساعة الخامسة والعشرون العراقية .. السر العميق للصراع في العراق
أحمد خالد الكعبي
لن نحقق النصر الكامل إلا اذا هزمنا الدولة العميقة القومية الطائفية في العراق والتي هي عبارة عن التأثير الثقافي والاجتماعي البالغ في اجيال ما بعد حاكمية القومية الطائفية .
ولهذا يتحدث المقال عن هذا التحدي الجوهري الثقافي الاجتماعي بعيدا عن الضجيج السياسي ، فالصراع السياسي الحقيقي هو في الجوهر صراع ثقافي اجتماعي يتمضهر سياسياً ..
هناك ايدلوجيتان جذريتان تتصارعان في العراق عبر تأريخه باشكال وصور مختلفة ، هما : القومية الطائفية التي حكمت العراق لأكثر من ألف سنة .
الثانية : هي العراق المؤنسن الوطني لكن العقائدي المتجه شرقا بالضرورة ..
وجوهر الصراع بينهما يدور حول أن العراق عربي لكنه ليس سنيا وشيعي لكنه ليس فارسيا ..
من يضع جواب لهذه الجدلية العميقة التي تشبه مرجل النار في التاريخ العراقي هو من سينتصر ، ويرجع سبب هزيمة القومية الطائفية عسكريا وسياسيا الى الان (لم تهزم بعد ثقافيا واجتماعيا ) أنها اتخذت القوة القاهرة الغاشمة كوسيلة اولى لتحقيق النصر عبر سحق الوطنيين الشيعة والقوميين الأكراد .
قبل سنوات روى لي أحد المستشارين في إحدى الجهات السياسية الفاعلة هذه القصة :
يحكى ان تاجر أثريات إنجليزي كان يتجول في السوق الإيراني الكبير بطهران ( البازار ) ، ولمح اثناء تجواله كلبا امام احد المحال التجارية يأكل في آنية تبدو ملفتة ، فاقترب من الكلب ولاطفه وبدأ بتفحص الآنية فعرف انها قطعة اثرية فارسية نفيسة تساوي ثروة كبيرة ..
دخل الى المحل وألقى التحية على صاحبه وسأله : هل تبيع الكلب ؟
فرد التاجر : نعم أبيعه .
قال الإنجليزي : وبكم تريده ؟
فرد عليه الإيراني : هذا متروك لتقديرك !
فعرض الإنجليزي مبلغا زهيدا فرفض الإيراني وبدأ الإنجليزي يصعد في السعر والإيراني يرفض الى ان وصل السعر الى الملايين ..
وعند مبلغ كبير جدا وبشكل مفاجئ اعلن الإيراني موافقته على السعر ، وبعد أن سلم الإنجليزي المبلغ لصاحب المحل ، هم بالخروج وعند الباب ألتفت للإيراني وقال له : هل آخذ الآنية التي يأكل فيها الكلب كملحق كونها مرتبطة به على نحو ما وايضا كعربون صداقة بيننا ؟
فرد الإيراني : لا ، انا بعتك الكلب وليس الآنية !
قال الإنجليزي : ولكني دفعت مبلغا كبيرا !؟
فرد عليه الإيراني : هذه مشكلتك ولن اعطيك الآنية لانها ليست جزءاً من عملية البيع .
فقال الإنجليزي بلهجة متوسلة : ولكن ماذا تفعل بآنية يأكل فيها كلب !؟
فرد عليه البازاري : أصطاد فيها السذج والمخادعين من امثالك ممن يعتقدون انهم اذكى من الآخرين .
يقول كيسنجر :
ايران لن تكون مقبولة ” لدى العالم ” إلا اذا تركت ( مفهوم دولة الأمة ؛ وعادت الى مفهوم دولة الشعب ) .
العراق الأموي والعباسي والعثماني ولاحقا البريطاني كانت تحكمه القومية الطائفية ، اما العراق الامريكي فكان ذكيا الى ابعد الحدود ، إذ قامت فكرته على ان الشعوب الشرق اوسطية يجب أن تحكمها أغلبيتها وفق مبدأ ديمقراطي بعد ان كانت تحكمها أقلياتها في العصر البريطاني ، هنا تحركت الايدولوجية العراقية المؤنسنة ذات الجذور السومرية تأريخيا وذات الجذور الشيعية عقائديا ، اذ وجدت فرصتها في هذا الطرح الموصوف بالديمقراطي ( فهي لا تنمو وسط القهر ) ، إلا أن اهل هذه الايدلوجيا وجدوا أنفسهم في ( حرج جيبوليتيكي ) كبير ، فامريكا الانكلوسكسونية العميقة ذات الجذور البريطانية تريد أن تحقق في العراق ما عجزت عنه في ايران الخمينية الثورية اﻻسلامية الشيعية ، وهو بناء دولة الشعب ومنع قيام دولة الأمة ( ولعلها هنا جاءت اصلاً في جوهر اهداف غزوها للعراق لتمنع تمدد دولة الثورة ( الأمة ) من التمدد الى العراق ) ، هنا وقع القياديون العقائديون للايدلوجية الوطنية في حيرة ، فهم إن وافقوا على الطرح الامريكي ( والذي يستلمون سلطة البلد بضمنه شرط موافقتهم على بناء دولة الشعب وترك او منع تمدد دولة الثورة والأمة ، او يرفضوا فيخسروا السلطة كما تركوها امام نفس جوهر الشرط في بداية بناء العراق البريطاني في بدايات القرن العشرين .
وافق المستوى الديني الكلاسيكي على الشرط واستلم مقاليد الدولة لكنه وضع شرط
مقابل الشرط الامريكي وهو : نحن من نبني الدولة وفق مبدأ الاحتكام الى إرادة الشعب الذي سيختار دستور وطني ، ولن نسمح لكم ايها الأمريكان بفرض القوالب الجاهزة ..
من هنا بالضبط نفذت الايدلوجيا العقائدية المؤنسنة لتبدأ ببناء امتها العميقة وأسس دولتها العقائدية بغطاء من المستوى الديني .
سأل مرة ديك شيني نائب الرئيس الامريكي الأسبق جورج بوش الابن الذي أمر بغزو العراق
: كيف تحتلون العراق وتبذلون كل هذا المجهود وهذه الخسائر ثم تقومون بتسليم العراق الى اعدائكم من حلفاء ايران اﻻسلامية !!؟
فأجابه بالنص : فعلنا ذلك لكي نخلص العراق من فم القرش الإيراني .
هنا لعله يقصد أن يبتلع العراق الحوت الانكلوسكسوني ، لقد فشل الأمر ، فامريكا التي كانت خارجة للتو من جرح 11 أيلول الدامي الذي تسبب به ( بحسب الرواية الرسمية للتاريخ ) السنة العرب القوميون ، لم يكن بإمكانها ان تعيد السلطة إليهم بعد إسقاط عميلها المجرم ابن المشهورة بالزنا ، فلم يكن أمامها سوى أن تقنع نفسها بأنها تحقق النجاح ، فقط لأن المستوى الديني لم يعلن بشكل علني مواجهتها عسكريا ، فيما كان المستوى العقائدي الباطني يذيقها طعم الهزيمة الجيبوليتيكية انتقاما لإشعالها حربا بين عراق الطائفية القومية ضد الثورة اﻻسلامية العالمية وثأراً لمن دفنوا احياء في طول العراق وعرضه إبان الانتفاضة الشعبانية الوطنية .
لقد كتب في وقتها كبير كُتاب أعمدة الرأي في امريكا توماس فريدمان مقالا ذكر فيه بالنص ( انني لا أفهم ما يجري في العراق ) …
لكننا هزمنا .
كانت عبارته تلك هي مفتاح الأحجية وباب حل لغز المتاهة الامريكية التي أرادت القومية الطائفية ( الإقليمية هذه المرة / السعودية / ان تقنعها بأن ما يجري ما هو الا مؤامرة على العرب السنة في العراق ( يعني يقصدون مؤامرة على الايدلوجيا القومية الطائفية فرع العراق ) لكن دون جدوى ، فقد كان هناك 15 سعوديا من مجموع 19 متطرفا سنيا هم من قاموا بتفجير برجي التجارة العالمي في قلب امريكا .
القومية الطائفية ذات الجذر الأموي لن تنجح لأنها عميلة ولأنها دموية .
هل عرفتم اعزائي الى اين يتجه العراق
” الامريكي ” !.؟
لعل مرارة الخديعة التي شعر بها الأمريكان وخزنوها في عقلهم الباطن الخطير هي التي دفعتهم الى اغتيال المبجلان
سليماني والمهندس ( اللذان وصفهما المستوى الديني بقادة النصر ) ردا على الهزيمة الجيبولوتيكية التي تعرضوا لها في العراق ، ولكنهم عجزوا ان يردوا رداً استراتيجياً فقاموا برد تكتيكي بهذا الاغتيال والذي تحول الى مفارقة ذات بعد رباني ، إذ اختلط الدم من وعلى ضفتي الايدلوجيا العقائدية المؤنسنة .
لقد هزمهم الرب بدماء الشهداء فعاشوا هزيمة مركبة اخرى !
سيصح اذا إن نقول 12 ايلول بدل 11 اذا ما كنا قد اطلعنا سابقا على رواية الساعة الخامسة والعشرون بعقل صاحب الثأر والصبر وليس بذهن المتابع او الناقد الأدبي فقط !.